الشيخ محمد رشيد رضا
617
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي فلا تولوهم ظهوركم وأقفيتكم منهزمين منهم وان كانوا أكثر منكم عددا وعددا ، وإذا كان التزاحف من الفريقين أو كان الزحف من المؤمنين فتحريم الفرار والهزيمة أولى ، ولفظ لقيتموهم زحفا يصلح للأحوال الثلاثة ورجح الأول هنا بقرينة الحال التي نزلت فيها الآية وكون النهي عن التولي والفرار انما يليق بالمزحوف عليه لأنه مظنة له ، ويليه ما إذا كان التزاحف من الفريقين . * * * وأما الزاحف المهاجم فليس مظنة للتولي والانهزام فيبدأ بالنهي عنه وهو منه أقبح وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ عبر بلفظ تولية الدبر في وعيد كل فرد كما عبر به في نهي الجماعة لتأكيد حرمة جريرة الفرار من الزحف وكون الفرد فيها كالجماعة وآثر هذا اللفظ مفردا وجمعا على لفظ الظهور والظهر أو القفا والأقفية زيادة في تشنيعها لأنه لفظ يكنى به عن السوأة أي وكل من يولهم يوم إذ تلقونهم دبره إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أي إلا متحرفا لمكان من أمكنة القتال رآه أحوج إلى القتال فيه - أو متحرفا لضرب من ضروبه رآه أبلغ في النكاية بالعدو كأن يوهم خصمه انه منهزم منه ليغريه باتباعه فينفرد عن أشياعه فيكرّ عليه فيقتله أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي منتقلا إلى فئة من المؤمنين في حيز غير الذي كان فيه لينصرهم على عدو تكاثر جمعه عليهم ، فصاروا أحوج اليه ممن كان في حيزهم فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي فقد رجع متلبسا بغضب عظيم من اللّه عليه وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ومأواه الذي يلجأ اليه في الآخرة جهنم دار العقاب وبئس المصير جهنم ، كان المنهزم أراد ان يأوي إلى مكان يأمن فيه من الهلاك فعوقب على ذلك بجعل عاقبته التي يصير إليها دار الهلاك والعذاب الدائم ، أي جوزي بضد غرضه من معصية الفرار ، وقد تكرر في التنزيل التعبير عن جهنم والنار بالمأوى وهو إما من قبيل ما هنا وإما للتهكم المحض ، فإنك إذا راجعت استعمال هذا الحرف في غير هذا المقام من التنزيل تجده لا يذكر الا في مقام النجاة من خوف أو شدة كقوله تعالى ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ) وقوله ( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) وقوله ( سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ وقوله وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ) * الخ والآية تدل على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي وقد جاء التصريح